المقريزي

180

المقفى الكبير

فاتك المجنون غلام أبيه من كافور . فوعده بنصرته وأظهر الخلاف على كافور . ثم أمسك عن قتاله وقدم عليه واتّفق معه . فغضب أونوجور من اتّفاقهما وخرج إلى المختار بالجزيرة . فقلق كافور واضطرب البلد . فلم يزل الشريف أبو [ جعفر ] مسلّم يمشي بينهما حتى دخل أونوجور ونزل في داره بالحمراء . فركب إليه كافور في جيش عظيم ومعه الشريف مسلّم ودخل عليه وقام بين يديه ، وأونوجور لا يرفع وجهه إليه ولا يكلّمه ، وهو مطرق . وأمر الشريف بالجلوس ، فاحتشم من كافور وقال لأنوجور سرّا : الرجل قائم ، وأنا أنصرف معه وأعود . فقال : عد إليّ . فأخذ مسلّم بيد [ 233 ب ] كافور وانصرفا . فاستوحش كافور وخافه . وكان أونوجور شجاعا مقداما . فلمّا كان بعد أيّام ركب بعد المغرب ومعه شاكريّان وهو متقلّد سيفا حتى وافى دار كافور ، فتهارب البوّابون والحجّاب ومرّوا سراعا إلى كافور . فلمّا أعلموه قام يعدو إلى لقائه وقبّل يده . فقال له أونوجور : أأمنت يا أبا المسك ؟ لو أردنا شيئا عملناه الساعة . وانصرف . فما جسر كافور يخرج معه وأنفذ إليه هديّة كبيرة . وكانت أمّ أونوجور هي التي ترفق به وتكسره عن كافور . فلم تزل الوحشية بينهما إلى أن اعتلّ علّة شديدة مات منها في يوم السبت لسبع خلون من ذي القعدة سنة تسع وأربعين وثلاثمائة ، وهو يوم خروج الحاجّ . فركب كافور إلى الجنازة وصلّى عليه وحمل إلى بيت المقدس ليدفن عند أبيه . فكانت ولايته أربع عشرة سنة وعشرة أشهر . ومات وله من العمر إحدى وثلاثون سنة . وكان مشغولا بالصيد والأكل والشرب والتنزّه والأشعار ، ولم يقتل أحدا ، ولا عاقب أحدا ولا صادره . وكان كالمغلوب مع كافور . ويحكى عنه شجاعة وسماحة وعفو كثير . قال الشريف عبد اللّه أخو مسلّم : وقفت مع شبيب العقيليّ لننظر أونوجور وقد ركب . فقلت : كيف رأيت العسكر ؟ فقال : رأيت شخوصا وبطونا وخصيانا ، وما رأيت في العسكر غير صاحبه - يعني أونوجور . وكان لأنوجور في كلّ سنة أربعمائة ألف دينار جارية عليه من ضياع سلّمت إليه ، وله كاتب نصرانيّ يقال له إبراهيم بن مرزوق ، وسائر التصرّف لكافور . وأمّه أمّ ولد اسمها كروم . ووزر له أبو علي الحسين ابن أبي بكر محمد بن علي الماذرائي ، ثم أبو الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات . وفي أيّامه نزلت الروم على البرلّس وعلى إخنا فشعّثوا وانصرفوا في ذي القعدة سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة . ونزلوا بالفرما وشعّثوا ثم ساروا إلى البرلّس فنفر إليهم في آخر سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة . ثم نزلوا على الفرما أيضا في جمادى الأولى سنة تسع وأربعين وثلاثمائة . فخرج المسلمون إليهم وأخذوا مركبا وقتلوا من فيه وأسروا عشرة . وفي أيّامه سار صاحب النوبة في جيش عظيم وأوقع بأهل الواحات وقتل منهم وأسر ، وذلك في سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة . وفي أيّامه جفّ النيل عن برّ مصر ، حتى استقى الناس من بحر الجيزة . وحفر خليج إلى أن دخل [ 234 أ ] الماء إلى ساحل مصر . ووقع غلاء في المحرّم سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة .